الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
283
القرآن نهج و حضارة
روحه ، وتجعله يعيش عالما خاصا وسلوكا معينا ، فما كان من القرآن إلا أن يوجه خطابه إلى القلب كما هو موجه إلى العقل ، فيثير فيه الحس الديني ويحرك الفطرة للبحث في هذا الوجود عن الصانع والمدبر الذي أحسن صنعا لهذا الكون ولهذا الخلق . ونلاحظ أن الطريقتين : استخدام الاستدلال المنطقي والإحساس النابع من القلب قد اعتمد فيهما القرآن على العقل ، فالخطاب القرآني موجه إلى عقل الإنسان فما عليه إلا أن يستخدم هذا العقل حتى ينفتح على القرآن . ثالثا : حقيقة العلم وهي نابعة من أن العلم ليس للتعلم فقط بل لا بد أن يتحول هذا العلم إلى ميدان عمل تتحرك فيه طاقات الإنسان وقدراته بما يملك من مواهب ، فلم تكن آيات القرآن في تأكيدها على العلم إلّا لهذا الغرض حتى يتحول العلم إلى مدارس فكرية يستطيع أن يتأقلم ، ويتكيف معها ، وينتج من خلالها ما يطور بها الحياة ، فيتطور هو بتطوير وسائل الإنتاج وأساليب الدفاع وسبل المواصلات وقوانين الحياة . فإذا تحول العلم إلى حالة جمود وأغلقت أبواب التفكير والتطلع عند الإنسان فان ذلك يعني حالة التراجع والانتكاس الحضاري ، فحينها عليه أن يتجاوز هذه الحالة عبر المرور بمراحل التفكير التي يدعوه العلم إليها ، لكي يأخذ بالمناهج التي رسمها له القرآن فيسعى في سبيل تجديد الحياة بابتكار الوسائل والأساليب ، وتطوير وسائل الإنتاج ، وتقنين ذلك وفق رؤى الشريعة وفي إطار الدين . وهناك حقيقة أخرى وهي كما في الحديث الشريف : « ليس العلم بالتعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه » « 1 » فإذا كان العلم
--> ( 1 ) بحار الأنوار ( ج 1 ) ص 411